عماد الدين خليل
22
المستشرقون والسيرة النبوية
وهذا يكفي . لقد جاءت هذه الأقوال إفرازا طبيعيا للصراع المحتدم بين الإسلام والصليبيّة . وقد كان للنتائج التي تمخّضت عنها الحروب الصليبيّة طعم مر في حلوق الغربيّين ما ذاقوه أبدا . . إن ليوبولد فايس « محمد أسد » يتحدث عن التجربة التي استحالت معضلة في مناهجهم يصعب تجاوزها فيقول : « فيما يتعلق بالإسلام ، فإن الاحتقار التقليديّ أخذ يتسلّل في شكل تحزّب غير معقول إلى بحوثهم العلمية ، وبقي هذا الخليج الذي حفره التاريخ بين أوربة والعالم الإسلامي ( منذ الحروب الصليبيّة ) غير معقود فوقه بجسر ، ثم أصبح احتقار الإسلام جزآ أساسيا من التفكير الأوروبي . والواقع أن المستشرقين الأوّلين في الأعصر الحديثة كانوا مبشّرين نصارى يعملون في البلاد الإسلامية ، وكانت الصورة المشوّهة التي اصطنعوها من تعاليم الإسلام وتاريخه مدبّرة على أساس يضمن التأثير في موقف الأوربيّين من الوثنيّين . غير أن هذا الالتواء العقلي قد استمر مع أن علوم الاستشراق قد تحررت من نفوذ التبشير . . ولم يبق لعلوم الاستشراق هذه عذر من حميّة دينيّة جاهليّة تسيء توجيهها . أمّا تحامل المستشرقين على الإسلام فغريزة موروثة ، وخاصة طبيعية تقوم على المؤثرات التي خلفتها الحروب الصليبية ، بكل ما لها من ذيول ، في عقول الأوربيّين « 1 » . ليست الحروب الصليبيّة وحدها ، لكنه الإسلام نفسه . إن الخطر الحقيقيّ ، كما يقول لورنس براون في كتاب أصدره عام ( 1944 م ) : « كامن في نظامه ، وفي قدرته على التوسع والإخضاع ، وفي حيويّته . . إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوروبي » « 2 » . ونقرأ في مجلة العالم الإسلامي ( عدد حزيران سنة 1930 م ) : « إن شيئا من الخوف يجب أن يسيطر على العالم الغربيّ . ولهذا الخوف أسباب ؛
--> ( 1 ) انظر الهامش رقم ( 2 ) في الصفحة السابقة . ( 2 ) انظر الهامش رقم ( 2 ) في الصفحة السابقة .